
لم أتخيل أبداً أن يُحدث حذاء الصحافي العراقي منتظر الزيدي هذه الضجة الضخمة كلها في جميع أنحاء العالم، خصوصاً تلك التي حدثت في بلاد العرب على امتداده من المحيط إلى الخليج!
ولا أعلم بالتحديد أيهما كان الدافع الأقوى لهذه الضجة الشعبية والإعلامية الكبيرة، أكان الحذاء أم كان الشخص الذي قُذف بالحذاء؟ ولا شك في أن غضب الشارع العربي وحنقه على السياسة الأميركية كان ينتظر أي شراره من هذا القبيل تلهب حماسه وتفرغ شحناته السياسية المكبوتة ليهتف لها ويحيي صاحبها بكل قومية. حذاء منتظر الزيدي لم يستفز الجماهير العربية سياسياً فقط، بل إنه استفزهم حتى على الصعيد الثقافي، إذ انقسم الأدباء العرب إلى فريقين، أحدهما يهتف لصاحب الحذاء ويقف في صفه ويكتب في منتظر وفي حذائه المقالات والقصائد مدحاً وإطراء وينظر له على أنه رجل شهم لا يجرؤ على فعلته هذه إلا الشرفاء الوطنيون، وهناك من الأدباء من وقف ضد منتظر وحذائه وأخذ يصفه بالمتخلف الرجعي غير المهذب عبر القصائد والمقالات، ولكل الفريقين وجهة نظره ، والأهم أن حذاء الزيدي استفزهم وفرّقهم وجعلهم يتفاعلون معه بكل حماس وقوة، ويكفي منتظر الزيدي أن حذاءه أحدث هذا كله في المثقفين العرب!
«قندرة» منتظر الزيدي تختلف بالكلية عن «القنادر» التي ذكرها التاريخ في صفحاته، فحذاء الزيدي يختلف بالكلية عن خفي حنين اللذين يضربان مثلاً في الخيبة والخسارة، ويختلف حذاء الزيدي كذلك عن حذاء شجرة الدر التي هشمت به رأس زوجها عز الدين أيبك حتى الموت، ويختلف حذاء الزيدي كذلك عن حذاء الرئيس السوفياتي خروتشوف الذي انتزعه من قدمه ليضرب به الطاولة محتجاً غضباناً في قاعة هيئة الأمم المتحدة في عام 1958، حتى على صعيد الخيال والروايات يختلف حذاء منتظر الزيدي عن حذاء سندريلا في القصة المشهورة، فهل تعرفون بماذا تختلف «قندرة» منتظر عن باقي «القنادر» التي ذكرها التاريخ؟ تختلف قندرته بأنها قُذفت باتجاه الرئيس بوش، وهي تقطع المسافة حاملة ملايين التواقيع على متنها وليس فقط توقيع الصحافي العراقي منتظر الزيدي بمفرده !