أهلا بالأحبة،وقبل كل شيء(شكرا لكل من آمن بعودتها،شكرا جزيلا❤🌹

بعض الأوجاع تحرّضنا على الكتمان،على انعزال العالم برمّته،على الانطفاء شيئاً فشيئاً والانزواء حول بؤسنا،نكابد أمواجه موجاً إثر موج،فكلّ حرف يوشك أن يتملّصَ من قبضتها يعود خائباً-الخيبة له خير من إثم وشايته بها-بغصّةٍ تلعب الأرجوحة طلوعاً ونزولاً في حناجرنا،وكلّ دمعةٍ تقدم على أن تهوي تظلّ مذعورةٌ عند حافّة الهدب،وفي خضمّ انطفائنا نفّتش عن قلبٍ صادقٍ من بين جموع القلوب التي ألفناها،قلبٌ يشاطرنا اقتيات أوجاعنا بصبرٍ مريرٍ،ولا نجد..لا نجد غيرنا -بعد الله سبحانه وتعالى-فنبتلعها بينما نحن نبكي بصمت، وبدل أن نطلق عنان الصرخة فإنّا نجرّها بقوة إلى أعماقنا..
لا نجد غير محبرة،غير ريشة،غير أعزوفة،فتبتلع أوجاعنا معنا،وتبكي بصدقٍ لبكائنا،ونحترق في الوقت الذي نصبح فيه كتابا يفيض وجعاً ،يحوي خضمّ معاركنا،ويختزلها بحرف،فيقرؤه غيرنا ويجعلهم عالقين في جملةٍ من جمله،وتصويرٍ من تصاويره،ليأسرهم في صفحاته. وندمي، في الوقت الذي نصبح فيه لوحةٌ تضجّ بالبكاء،وتكون صورة تصرخ بصمت مهيب،لا يمر عليها أحدٌ إلا توقف ليتأملها،ويأخذ يتساءل عن أسرارها ومعانيها،يتهافت على الحديث عنها الفنانون ليشيدوا بتفرّدها وجاذبيّتها وعمق رسالتها. ونلفظ عافيتنا بينما الأوجاع لا تنفك عن مصارعتنا،في الوقت الذي نصبح فيه أعزوفة ما،يدندن بها من يسمعها،ويتأثر عند سماعها آخرون،بينما يهديها شخص لآخر،ويتهافت الحديث عنها عبر الإعلام ،لتصعد في سلّم العالمية وتصبح أغنية الموسم.
لكلّ واحدٍ منّا ما يخفّف به وجعه،فللكاتب حرفه وقلمه،يُسقط عليهما بعضاً من أوجاعه وما يثقل كاهل طمأنينته،فيسكبها في فم الورق ليحبس صرخته هناك،بعيداً عن صدره،ولا يضطرّه الأمر لأن يبكي ويشكي لكل من هبّ ودب،وللرسّام ريشه وألوانه،وللفنّان ألحانه وأنغامه،ليبكي ،ويشكي،وينوح،بينما الآخرون ينصرفون إلى جمالية حنجرته عن وجعه،وللشاعر قافه ومداده،إلا بندراً لم يكن أيّاً من هؤلاء ،لم يجد ما يخلّص به نفسه من فوضى كتمانه،لم يجد بدّاً من الصراخ وجعاً وربما قهراً،لم يجد غير الانعزال..