![]() |
شمسيُّ أو قمريّ
في التاسعة صباح الأول من هذا المحرم ، انطلقتُ بسيارتي على طريق خارج حدود مدينتنا ، قاصدة مشفى كبيرا ، قالوا سينفسوا لي عما بداخلي ، أخبرني الطبيب بأنه سيستعمل المثقب لاختراق تلك القشرة الصلبة حرقا ، علَّه يحيا مجددا ما بداخل تلك الجوزة العنيدة . نزعوا عني ثيابي ، ودفعوا إلي بكفن العمليات المعقم لأرتديه ، دسوا أنبوبهم الرفيع في ذراعي ، مددوني فوق المنضدة ، وسألوني أمسلمة؟ أجبتهم الحمد لله ، قالوا : إذن فاقرئي الشهادتين ، وأظنني أتممتها وبدأتُ في المعوذتين .... و ... لم أدر كم من الوقت مر قبل أن أفيق على صوت حسناء شابة سألتني : حمد الله عالسلامة ، أمعك مرافقـ/ـة ؟ أدرتُ لها وجهي ، غامت عيني ورفَّت أهدابي ، برأسي صوت يخبرها : معي ربي سيهدين .. "الله يسلمك" .. |
في الواحدة صباح الأول من يناير ، وصلتني رسالة قصيرة : "طمنيني عنك .. ". وليتني أدرك يقينا مكنون تلك الدرة ، أذكر أنني حاولتُ تلمس جراحي الحية ، وحاولت ابتلاع شيئا من أدويتي المسكنة ، وحاولتُ الابتسام في وجوههم النصف قلقة ، ربتتُ على كتف الصغيرة ، عابثتُ أمي بمرح في الهاتف ، تناولتُ الحساء ، وهاتفي الجوال ، بماذا أجيبها؟ .. زخم متناقض من الأفكار والأحاسيس يتقاذفني ، بأيهم سأخبرها ؟ أنا أموت ألما ، ممتنة لكِ ، و أتمنى لو كنا جارتين منذ القدم ، وأتمنى لو أفهم ما يجري ، وأتمنى لو أنني لستُ أنا ، أتمنى لو اهتم الأقربون بما أخفيه عنهم كما تفعلين ، أتمنى للعالم عاما جديدا أكثر عقلا ومنطقية ... أأرسل لكِ رسالة فارغة وستفهمين ؟ لم أكتب حرفا ولم أرسل فراغا ، وضعتُ الهاتف جانبا وحدثتكِ في نفسي : أنا بخير .. صبح دعواتي لكِ بمخرج من كل ضيق و "طمنيني عنك .. " |
مساء التاسع من محرم .. حديث ثلاثي ، وتبادل للأدوار مع اختلاف وجهات النظر ، أصلان ، المبروك ، خطاب .. "نفتح المعبر ، نقفل المعبر .... " عاشوراء سعيدة .. وغزة مئة جريح كل ليلة |
الليلة .. السادس عشر من المحرم ، الثالث عشر من يناير وقبل أن ينقضي الشهر الأول من كل عام (شمسيّ أو قمريّ) حسبما تحتفون به كل عام ومن لم يسبق لي التعرف عليهم في أبعاد الأدب بخير ، معنى الخير نسبي أجل ، وإنما أتمنى لكم جميعا ، كلا بإسمه ، تحقيق ما يطمح إليه من منفعة لا تضر بغيره ، وفلاحا يمسه ومن يحب. |
جدران
في السابع والعشرين من يناير ، رزقتُ بيتا يقيني لسعات البرد وحر الهجير . بيت بنصف سقف ، وبغير باب أو نافذة ، لم يقيني مضايقات الهوام ، أو هجمات الضواري نعم ، لكنه منحني جدرانا أختبيء خلفها قبل بدء المعركة. جدران التجأتُ إليها كلما نمتُ على أهبة الاستعداد ، بيمناي حقيبة سفر ، وباليسرى سلاح أبيض. مع الوقت لم تعد ترعبني نظرات العيون المحمرة ، ولا لدغات العقارب ، أملك الآن أربعة جدران ، وأمل ... أمل ... |
خط دفاع أول
في الرابع عشر من فبراير ، قال لي الطبيب: "والله " لا زلنا في حالة انتظار ، ما من بقع بيضاء ولا سوداء ، مازالت الأرض خالية من النبات نعم ، وإنما أيضا خالية من العيوب ، لمَ لا تشترين لتلك الدار المستباحة بابا ونافذة؟ - وأحرم نفسي أنس الهواجس؟ / انا امرأة اقتاتت طويلا على الدموع والكآبة ، أجيد الحسرة وخيبة الرجاء ، تماما كما يجيد الحائك استخدام الخِياط ، لكنني لم أُعدم حِيَل القتال ، وتصنع الهدوء والصمود في وجه الحرمان. - باب ونافذة واحدة - سأفعل ولكن إن لم يُعَمَّر البيت؟ - باب ونافذة واحدة .. وانتظري |
العاشر من ربيع الأول 1430
السابع من مارس 2009 ، يوم تحول تاريخي ، صار للبيت حارسا ، وللباب قيمة ، وللهواء عبر النافذة رائحة الأمان . غناء عذب يسوقه إلى مسامعي صوت الحائم برفق حول الجدارن. و باتت أحلامي تحدثني بالتطاول في البنيان |
في ذكرى الربيع
16 مايو ليست معلمتي الأولى فقط هي من مرنت أناملي الصغيرة على رسم الحرف وإتقانه ، لكنها أم ثانية تسلمت أمري بحزم ووفاء بعد يدي أمي ، تلك الحائرة بين فرحتها بدخولي المدرسة ، وحزنها لفراقي لنصف يوم / كل يوم .. المعلم الأول قيمة قد يتقمصها أي شخص في حياتنا حتى بعد نضوجنا .. ذكرا كان أم أنثى ، فمن بين من درَّسوني بواكير الكيمياء والفيزياء والرياضيات ، لم أعد أذكر سوى من أحبوني من أعماقهم ، وأحبوا المواد التي درسوني إياها ، وفجروا بداخلي علاقة جديدة لا تعتمد على الملاطفة ولا مناغاة الأطفال وإنما على التقديس ، التقديس الصامت بالأحرى ، فالحب ليس بحاجة لقولٍ ليِّنٍ بقدر ما هو بحاجة لفعل مؤثر لينمو ، والإنجاز هو إرادة من الله ، ورغبة من المعلم في دعم صفه ، ورغبة الصف في تلقي العلم. لكن ماذا عن مادة ليست للتدريس في المدرسة ، خيار شخصي ، ميول جارف يسبق خُطى المرء نحو دنيا جديدة براقة يسوقه إليها؟ كان لي أبا روحيا في الكتابة ، قال لي: لستِ بهاوية عادية ، تهيئي بعتاد قوي ثم انطلقي. فَنَّد لي إيجابياتي وسلبياتي وأوصاني بالخير الكثير ، رفع من همتي وحط عني الكسل ، لكن مع تكرار النصائح شعرتُ بأنني أراه ولا يراني ، أفهم عنه جل ما قال ولا يستمع لما أقول ، بمرور الوقت ضقتُ بالدرس شيئا يسيرا ، ثم شيئا عظيما ،تحول المجلس إلى حلبة لاستعراض الملكات من طرف واحد ، التهى المعلم عن الدرس بوصف نفسه ، وعن الطلبة بإنكار معرفته بهم .. إرضاءا لمن؟ ليست لدي فكرة. كان من الطبيعي ألا أستجيب لأمره أو نهيه بعدها ، ومن البديهي ألا أقبِّل يديه الكريمتين إذا صادفني، أو ألقى علي رسميات الأعياد ، مات في نظري ، وباتت سيرته علامة فارقة تشوه قسماتي .. و إن ذكَّرتني بفضله الأول علي قلمي. ثم أتيتَ أيها الربيع الطلق تسير على نهجه لا تختال ولستَ ضاحكا .. و لتعلم أنني بعدما انتهى أبي الروحي بتيك الطريقة فقدتُ القدرة على الإيمان بالأشخاص ، أو القدسيات -كل ابن آدم معيب وأنا أولهم- أجل أضفتَ إليَّ ما لن أنساه بقية محابري ، لكنك لن تقتل فيَ المزيد ذات سقوط. |
الساعة الآن 06:35 PM |
Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2025, Jelsoft Enterprises Ltd.